ابن عساكر
330
تاريخ مدينة دمشق ( المستدركات )
أوصي أن يجعل بيني وبين كفني « 1 » حتى أخاصم به هذا الظالم عند اللّه يوم القيامة ، أقول : يا رب ، سل عبدك هذا : لم قيدني « 2 » ، وروّع أهلي وولدي وإخواني بلا حق أوجب ذلك علي ، وبكى الشيخ ، وبكى الواثق ، وبكينا ، وسأله الواثق أن يجعله في حل ، فقال : واللّه لقد جعلتك في حل وسعة من أول يوم إكراما لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إذ كنت رجلا من أهله . فقال الواثق : لي إليك حاجة ، فقال : إن كانت ممكنة فعلت ، قال الواثق : تقيم عندنا فننتفع بك ، وينتفع بك فتياننا ، فقال الشيخ : يا أمير المؤمنين ، إن ردّك إلى الموضع الذي أخرجني عنه هذا الظالم أنفع لك من مقامي عندك ، وأصير إلى أهلي وولدي أكف دعاءهم عليك ، فقد خلّفتهم على ذلك . قال الواثق : فتقبّل منا صلة تستعين بها على دهرك ، قال : يا أمير المؤمنين ، لا تحلّ لي ، أنا عنها غني ، وذو مرة ، سوي ، فقال : سل حاجة ، قال : أو تقضيها ؟ قال : نعم ، قال : يخلّى لي السبيل الساعة إلى الثغر ، قال : قد أذنت لك ، فسلّم عليه وخرج . قال المهتدي : فرجعت عن هذه المقالة ، وأحسب أن الواثق رجع عنها منذ ذلك الوقت . وفي حديث آخر بمعناه : وسقط ابن أبي دواد من عينه ، ولم يمتحن بعد ذلك أحدا . لما احتضر الواثق جعل يردد هذين البيتين « 3 » : الموت فيه جميع الخلق مشترك * لا سوقة منهم « 4 » يبقى ولا ملك ما ضر أهل قليل في تفاقرهم « 5 » * وليس يغني على الإملاك ما ملكوا ثم أمر بالبسط ، فطويت ، وألصق خده بالأرض ، وجعل يقول : يا من لا يزول ملكه ، أرحم من قد زال ملكه .
--> ( 1 ) في مروج الذهب : أن يجعل بين كفني وبدني . ( 2 ) في مروج الذهب : لم قيدني ظلما . ( 3 ) الخبر والبيتان في تاريخ بغداد 14 / 19 والبداية والنهاية 10 / 341 وسير الأعلام 10 / 313 . ( 4 ) تاريخ بغداد : بينهم . ( 5 ) كذا بالأصل والبداية والنهاية ، وفي سير الأعلام : « فرقهم » وفي تاريخ بغداد : « تنافرهم » وكتب على هامشها : كذا في الأصل .